فوزي آل سيف

35

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

وقد اشتهر هذا عن المقداد بحيث يظهر منه أنه كان يتكرر منه في كثير من المواقف ولذلك تعددت رواياته، فمن ذلك ما نقل من الحوار بينه وبين عبد الرحمن بن عوف وهو الذي أمال الكفة لصالح عثمان، ولا سيما بعدما فشا في الناس مقالة أبي سفيان في جمع بني أمية: تلاقفوها تلاقف الكرة! فقام عمار بن ياسر في المسجد وبين للناس ما في تأخير علي بن أبي طالب من الخطورة، وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم! فقال له عبد الرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقداد بن عمرو؟ فقال: إني والله لأحبهم لحب رسول الله صلى الله عليه وآله إياهم، وإن الحق معهم وفيهم، يا عبد الرحمن أعجب من قريش - وإنما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وآله بعده من أيديهم، أما وأيم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصاراً لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر.[101] هذا بينما يرويها أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب أخبار السقيفة عن شخص آخر، وبنص غير النص السابق، فهو ينهي الرواية إلى المعروف بن سويد قال: كنت بالمدينة أيام بويع عثمان، فرأيت رجلاً في المسجد جالسًا، وهو يصفق إحدى يديه على الأخرى - والناس حوله - ويقول: واعجبًا من قريش، واستئثارهم بهذا الأمر، على أهل هذا البيت، معدن الفضل، ونجوم الأرض، ونور البلاد، والله إن فيهم لرجلًا ما رأيت - بعد رسول الله صلى الله عليه وآله - أولى منه بالحق، ولا أقضى بالعدل، ولا آمر بالمعروف، ولا أنهى عن المنكر، فسألت عنه، فقيل: هذا المقداد، فتقدمت إليه وقلت: أصلحك الله من الرجل الذي تذكر؟ فقال: ابن عم نبيك رسول الله صلى الله عليه وآله، علي بن أبي طالب[102]. وبالإضافة للدعوة لأمير المؤمنين عليه السلام، كان يخبر الناس بمناقب أهل البيت وفضائلهم، فقد روي عنه قوله عن رسول الله: "مَعرفةُ آلِ محمدٍ براءةٌ مِن النارِ، وحبُّ آلِ محمدٍ جوازٌ على السراطِ، والولايةُ لآلِ محمدٍ أمانٌ مِن العذابِ".[103] وبينما كان أهل الدنيا يتوددون للخليفة طمعاً ورغبة، ويمدحونه بما ليس فيه تقرباً وتوسلاً، كان المقداد يواجههم بإلقاء التراب عليهم، لكي يبين أن ذلك كذب، وأنه مدح لأطماع الدنيا، فينبغي مواجهتهم بما أمر به رسول الله من أنه (إذا رَأيتُمُ المدّاحِينَ فاحثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّراب).[104] وهذه العلاقة غير المنسجمة مع خط الخلافة والتيار القرشي تجعلنا نشكك في ما رووه من أن الخليفة عثمان هو الذي صلى عليه، ونميل إلى ما ورد من أن عمارًا بن ياسر هو الذي صلى عليه، وأن عثمان لم يخبر بالصلاة عليه، فجاء وأخذ يثني عليه، فقال له الزبير بن العوام ما قال. ونعتقد أن ما ذكره الزبير بعد الانتهاء من دفن المقداد كان دقيقًا في تشخيص موقف كل من الطرفين من الآخر، فعَنِ الحَكَمِ: أنَّ عُثمانَ بنَ عَفّانَ جَعَلَ يُثنِي عَلى المِقدادِ بَعدَما ماتَ، فَقالَ الزُّبَيرُ: لا أُلفِيَنَّكَ بَعدَ المَوتِ تَندُبُنِي وفِي حَياتِيَ ما زَوَّدتَنِي زادِي[105] " وفي بعض الروايات أن عثمان قال للزبير: يا زبير؛ تقول هذا؟! أتراني أحب أن يموت مثل هذا من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وهو عَليّ ساخط!!

--> 101 ) المسعودي؛ علي بن الحسين: مروج الذهب ومعادن الجوهر٢/ ٣٤٣ 102 ) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 9/ 21 103 ) القندوزي: ينابيع المودة لذوي القربى1/ ٧٨ 104 ) بن أبي شيبة، أبو بكر: مسند ابن أبي شيبة ١/‏٣٣٢ عَن هَمّامِ بنِ الحارِثِ، أنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمدَحُ عُثمانَ رضي الله عنه، فَعَمَدَ المِقدادُ فَجَثى عَلى رُكبَتَيهِ، قالَ: - وكانَ رَجُلًا ضَخمًا - فَجَعَلَ يَحثُو فِي وجهِهِ الحَصاةَ، فَقالَ لَهُ عُثمانُ: ما شَأنُكَ؟ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: « إذا رَأيتُمُ المَدّاحِينَ فاحثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرابَ " وضمن مسار التعمية فإن أكثر المصادر ذكرت الخبر بعنوان: أن رجلا جعل يمدح أحد الأمراء(!!). 105 ) الطبقات الكبرى ط دار صادر ٣/‏١٦٣